الشنقيطي
158
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
بإثبات النبوة والشهادة بالرسالة نبينا محمد صلى اللّه عليه وسلم ، وهي قاعدة عظيمة بعد الشهادة بالوحدانية . وموضعها بعد التوحيد لأنها من باب الأفعال الجائزة الوقوع ، وتلك المقدمات من باب الواجبات وبعد هذه القواعد كلمات العقائد العقليات ، فدعا إلى الصلاة وجعلها عقب إثبات النبوة ، لأن معرفة وجوبها من جهة النّبي صلى اللّه عليه وسلم ، لا من جهة العقل . ثم دعا إلى الفلاح وهو الفوز والبقاء في النعيم المقيم ، وفيه إشعار بأمور الآخرة من البعث والجزاء وهي آخر تراجم عقائد الإسلام . إلخ . ومراده بالعقليات في العقائد أي إثبات وجود اللّه وأنه واحد لا شريك له ، وهو المعروف عندهم بقانون الإلزام ، الذي يقال فيه إن الموجود إما جائز الوجود أو واجبه ، فجائز الوجود جائز العدم قبل وجوده واستوى الوجود والبقاء في العدم قبل أن يوجد ، فترجح وجوده على بقائه في العدم . وهذا الترجيح لا بد له من مرجح وهو اللّه تعالى . وواجب الوجود لم يحتج إلى موجد . ولم يجز في صفة عدم وإلا لاحتاج موجده إلى موجد ، ومرجح وجوده على موجود . وهكذا فاقتضى الإلزام العقلي وجوب وجود موجد واجب الوجود ، وهذا من حيث الوجود فقط ، وقد أدخل العقل في بعض الصفات التي يستلزمها الوجود ، والحق أن العقل لا دخل له في العقائد من حيث الإثبات أو النفي ، لأنها سمعية ولا تؤخذ إلا عن الشارع الحكيم ، لأن العقل يقصر عن ذلك ، ومرادنا التنبيه على إدخال العقليات هنا فقط . وقد سقنا كلام القاضي عياض هذا في حكمة الأذان لوجاهته ، ولتعلم من خصوصية الأذان في هذه الأمة وغيرها به أنه ليس بصلصلة ناقوس أجوف ، ولا أصوات بوق أهوج ، ولا دقات طبل أرعن ، كما هو الحال عند الآخرين ، بل هو كلمات ونداء يوقظ القلوب من سباتها ، وتفيق النفوس من غفلتها ، وتكف الأذهان عن تشاغلها ، وتهيئ المسلم إلى هذه الفريضة العظمى ، ثانية أركان الإسلام وعموده . فإذا ما سمع اللّه أكبر اللّه أكبر مرتين ، عظم اللّه في نفسه ، واستحضر جلاله وقدسه واستصغر كل شيء بعد اللّه ، فلا يشغله شيء عن ذكر اللّه ، لأن اللّه أكبر من كل شيء ، فلا يشغل نفسه عنه أي شيء . فإذا سمع أشهد أن لا إله إلا اللّه ، علم أن من حقه عليه طاعة اللّه وعبادته .